امتیاز موضوع:
  • 1 رای - 5 میانگین
  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
الاطلاق المقامی ( اطلاق مقامی )
#1
Star 
با توجه به اینکه در بحث مفهوم شرط سخن از اطلاق مقامی به میان آمده است و با توجه به عدم وجود منابع کافی در این زمینه در اینجا مقاله حضرت استاد قائینی زید عزه که در مجله فقه اهل البیت عربی شماره 53 به چاپ رسیده است قرار داده می شود. لازم به ذکر است هر گونه نقل از این مقاله منوط به رعایت حقوق نویسنده و این مجله می باشد.


الإطلاق المقامي

الاُستاذ الشيخ محمد القاييني

المقدّمة :
من جملة المستندات المطروحة في کلمات الفقهاء في ثنايا البحوث الفقهية هو ما يصطلح عليه بالإطلاق المقامي ، وقد تکرّر الاستدلال به في مسائل شتّی ، من هنا تبرز أهمية بحثه لبيان حقيقته والتعرّف علی ماهيّته والوقوف علی ضابطته و التحقّق من موارده کسائر المسائل الاُصولية .
وحيث إنّ البحث عنه غير منقّح في محلّه المناسب من اُصول الفقه استدعی ذلك تفصيلاً من الکلام .

حقيقة الإطلاق اللفظي :

قبل التعرّض لحکم الإطلاق المقامي وسائر ما يتعلّق به لابدّ من بيان معنی الإطلاق اللفظي تمهيداً لبيان الإطلاق المقامي والفرق بينه وبين الإطلاق اللفظي ، فنقول :
إنّ من المباحث الاُصولية المعروفة هو الإطلاق اللفظي ويعنون بذلك دلالة لفظ بحسب الوضع واللغة علی طبيعة جامعة بين وجوه مختلفة في القيود تجامع اشتمال الطبيعة علی القيد أو قيد آخر مضاداً له ، أو عدم اشتمالها علی قيد . ولا يکون الوضع اللغوي مستدعياً لتقيّد ولا لإطلاق ؛ فلا يکون استعمال اللفظ في موارد التقييد مجازاً ، بل هو استعمال حقيقي مثل استعماله في مورد الإطلاق .
وحيث إنّ الوضع اللغوي لا يستدعي الإطلاق کالتقييد يکون اللفظ بحسب الوضع مجملاً ؛ إلا أنّ منشأ الدلالة والظهور لا ينحصر في الوضع ؛ بل إنّ مقدّمات الحکمة حيث تجري تشکّل للفظ ظهوراً في الإطلاق بمعنی رفض القيود المجامعة للطبيعة ـ لا بمعنی جمع القيود ـ ومع هذا فلا يکون اللفظ مجملاً ؛ بل يعود ظاهراً في الإطلاق حجّة علی ذلك .
فالإطلاق اللفظي معناه ظهور اللفظ في الإطلاق ، ومناطه جريان مقدّمات الحکمة والتي من جملتها کون المتکلّم في مقام البيان ولو بحسب الأصل العقلائي .
کما أنّ هذا الظهور قد يکون ناشئاً من عدم التقييد ، وقد ينشأ من فهم العرف عدم دخالة القيد ويعبّر عنه بإلغاء الخصوصية ؛ فإنّه ليس معناه العلم بعدم الفرق ارتجالاً ، بل المقصود ظهور الکلام في عدم الفرق .
وهناك فرض آخر وهو عدم ظهور الکلام المشتمل علی القيد لا في دخل القيد ولا في عدم الدخل ، بل يکون الکلام مجملاً من حيث دخالة القيد کما في القيود الغالبة ؛ وفي مثلها لا يصحّ الاعتماد لإثبات الإطلاق علی الکلام المشتمل علی القيد . نعم ، لو کان هناك کلام آخر خالٍ عن القيد لا يصلح الکلام المشتمل علی القيد حجّة علی القيد ، فلا تغفل .

ملاك الاطلاق اللفظي :
ثمّ إنّ هناك کلاماً في ملاك الإطلاق اللفظي ، فقد ذهب البعض إلى أنّه الوضع ، کما ينسب إلی المشهور قبل سلطان العلماء ؛ وذهب آخر إلى أنّه مقدّمات الحکمة ، کما هو مذهب السلطان والمشهور عمّن تأخّر عنه .
فلو اخترنا القول الأول وهو کون الإطلاق موضوعاً لغة وعرفاً فلا يرد عليه اشكال الدور ، وإن اخترنا الثاني فالاستناد في إثبات الإطلاق إلی مقدّمات الحکمة حسب التقرير المعروف من المتأخّرين لا يخلو عن إشکال وشبهة الدور ؛ وذلك لأنّهم أخذوا في مقدّمة الإطلاقات منافاة الإطلاق للغرض لو کان الحکم واقعاً مقيّداً ؛ حيث لا يؤخذ القيد في مقام الإثبات ويکون الکلام مطلقاً ؛ والحال إنّ المراد هو المقيّد ؛ فإنّه کيف يکون عدم التقييد في مقام الإثبات منافياً للغرض لو کان الغرض هو المقيّد بعد عدم ظهور عدم التقييد إثباتاً في الإطلاق ؟ ! وإثبات ظهور عدم التقييد في الإطلاق بهذا يکون دوراً واضحاً .
فإنّ المقيّد هو القدر المتيقّن من مراد المتکلّم لا محالة ، فلو أمر بعتق رقبة ودار أمرها بين المقيّدة بالإيمان وعدم التقييد ، کيف يکون عدم التقييد حجة علی الإطلاق بحجّة أنّ الإطلاق منافٍ للغرض لو کان الحکم مقيّداً في الواقع ؟ ! فإنّ الإطلاق إنّما يکون منافياً للغرض إذا کان ظاهراً في نفي التقييد ، وإلا فلا يکون مجرّد عدم التقييد في مقام الإثبات حجّة علی عدم دخالة القيد ؛ إذ لو کان الغرض هو المقيّد والمفروض عدم ظهور عدم التقييد في نفي دخالة القيد يؤخذ بالکلام في القدر المتيقّن منه ، ولا يلزم محذور الإجمال ، بخلاف ما لو لم يکن للکلام قدر متيقّن .
ولعلّ هذه النکتة هي التي حدت بصاحب الکفاية إلی القول بعدم حجّية الإطلاق مع وجود قدر متيقّن له في مقام التخاطب وإن کان ظاهر کلامه واستدلاله يرمي إلی وجه آخر .
نعم ، هناك تقريب آخر لإثبات الإطلاق اللفظي وهو ظهور حال المتکلّم في کونه متصدّياً لتمام مقصوده باللفظ ، ولا يرد علی هذا محذور الدور المتقدّم ، کما أنّه لو تمّ يندفع به احتمال المحقّق الخراساني في کون الإطلاق حجّة حيث لا يکون له قدر متيقّن بحسب مقام التخاطب .
فقد تحصّل : أنّ الإطلاق اللفظي بمعنی السريان والشمول وعدم التقييد ، وأمّا الإطلاق المقامي فإنّه قد ينتج التقييد کما قد تکون نتيجته السريان . وسيأتي لذلك مزيد توضيح إن شاء الله تعالی .

حقيقة الاطلاق المقامي :

أقسام الإطلاق المقامي :
ينقسم الإطلاق المقامي حسب تعبير الفقهاء والاُصوليين وحسب موارد استعمال هذا الاصطلاح إلی أقسام :
القسم الأول :ما يکون داخلاً في الإطلاق اللفظي حقيقة وملاکاً وإن اختلف عنه تعبيراً ؛ وذلك مثل تفسير حقيقة وتبيينها بشكل عملي ، والمثال الواضح لذلك ما يُروی من حديث : ألا أحکي لکم وضوء رسول الله (صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم)، ومثل ذلك معتبرة حمّاد في الصلاة المتضمّنة لبيان أفعال الصلاة ووظائفها.
فإنّ مثل هذا بصدد بيان ماهيّة مردّدة بين الإطلاق والتقييد ؛ کالصلاة المردّدة بين المقيّدة بقيد محتمل وعدمه ؛ وکالوضوء المردّد بين المقيّد بخصوصية محتملة وعدمها .
ولا فرق في الإطلاق اللفظي بين أن يؤمر بالوضوء وبالصلاة ثمّ يتردّد الوضوء والصلاة بين المطلق والمقيّد ، وبين أن يؤمر بأفعال لا بعنوان الوضوء والصلاة ، بل بذواتها ثمّ يقتصر علی ما عدا القيود المحتملة ؛ کأن يؤمر بالتکبير والقراءة والرکوع والسجود وغير ذلك من الأفعال . فذلك کلّه إطلاق لفظي حقيقة وملاکاً .
نعم ، قد يکون اللفظ هو الصلاة ، وقد يکون اللفظ هو ما يجب فعله ؛ والتفاوت بين العنوانين لا يوجب تفاوتاً في حقيقة الإطلاق اللفظي ، ولا اختلافاً في ملاك اعتبار الإطلاق اللفظي .
القسم الثاني : وهو المقصود الأصلي في البحث عن الإطلاق المقامي ـ ما يکون مغايراً للإطلاق اللفظي حقيقة ومناطاً ؛ وإنّما التعبير عنه بالإطلاق مجرّد مشارکة في اللفظ ؛ وهو : أن يکون سکوت الشخص مستلزماً لفوات غرض لازم له لا يرضی بفواته ، فإنّ هذا السکوت لا ينبغي بحسب الحکمة ؛ حيث إنّه منافٍ لمقام ذاك الشخص الذي هو مقام التسبيب إلی التحفّظ علی الأغراض بحسب ما هو وظيفة صاحب الغرض وطالبه من بيان ما يوجب الحفاظ علی الغرض لو أراد المکلّف أن يوافق ويمتثل التکليف ، فلا يکون قصور من ناحية بيان الغرض من قِبل صاحبه وإيصاله إلی المکلّف بالطرق المتعارفة التي تُمکّن المکلّف من الوصول حيث لا يکون مقصّراً .
فالمقام المقصود في الإطلاق المقامي ليس هو مقام البيان ؛ فإنّ الإطلاق المقامي يتحقّق بلحاظ ما لايکون المتکلّم بصدد بيانه أصلاً ، بل هو مقام الحکمة أو مقام التحفّظ علی الغرض الذي هو من شعب الحکمة وفروعها .
کما أنّ الإطلاق في الإطلاق المقامي ليس بمعنی عدم التقييد ؛ ولذا يتمّ الإطلاق المقامي فيما لا يمکن فيه التقييد ؛ مع أنّ إمکان التقييد من مقدّمات الإطلاق اللفظي ، فيکون المراد من الإطلاق في المقام عدم التنبيه علی خلاف ما يعتقده المخاطب .
کما أنّ الإطلاق المقامي ليس من شؤون دلالة اللفظ ، بل هو حکم عقلي قطعي بلزوم التحفّظ علی الأغراض اللازمة بحسب ما هو وظيفة صاحب الغرض .
ثمّ إنّ هذا الذي ذکرناه ـ أعني استلزام السکوت بدون الإطلاق فوت الغرض اللزومي ـ من جملة مناطات الإطلاق المقامي ، ولا ينحصر فيه ؛ وسيتضح سائر الملاکات عند التعرّض لأدلّته .
مثال الإطلاق المقامي من القسم الثاني :
لا ريب أنّ المعمول عليه هو حمل الألفاظ المستعملة في کلام الشارع علی المعاني العرفيّة واللغوية ما لم يتحقّق اصطلاح جديد للشارع وإرادته معنی مغايراً للمعنی العرفي واللغوي . وهذا أصل أقوى من أصالة الحقيقة المعمولة في الاستعمالات العرفيّة ، وليس لهذا الأصل القويّ مدرك إلا الإطلاق المقامي الذي نحن بصدده ؛ فإنّ الشارع في استعمالاته إنّما هو بصدد بيان حکم مفاهيم الألفاظ ومعانيها ، وليس هو بصدد بيان ما هو مفهوم اللفظ ومعناه في اصطلاحه .
فإذا قال : اغسل ثوبك ، فهو بصدد بيان وجوب الغسل ، وأمّا أنّ الغسل ما هو فليس هو بصدد بيانه ، ومع ذلك فيحمل اللفظ المستعمل في کلام الشارع علی المفهوم اللغوي للغسل ، وأنّ الشارع ليس له اصطلاح خاصّ مغاير للعرف واللغة ، کالتعفير أو إزالة القذارة بالحكّ والدلك وما شاکل ذلك ، بل المفهوم من الغسل هو إزالة القذارة ببعض المائعات ، ويحکم علی الشارع بإرادته حيث لا يثبت له اصطلاح علی خلاف ذلك .
نعم ، کفاية الغسل العرفي مرّة واحدة ، أو بالماء المالح کماء البحر أو البئر وما شاکل ذلك يکون بالإطلاق اللفظي الذي هو بصدد بيانه . وأمّا إرادة المفهوم العرفي للغسل فإنّما يحکم بها علی أساس الإطلاق المقامي .
ومن هنا ظهر : أنّ تحميل الشارع إرادة المعاني العرفية والمشي علی أساس المفاهيم اللغوية وقواعد الاستعمال العامّ کأصالة الحقيقة وغيرها ، کلّ ذلك يکون علی أساس الإطلاق المقامي .
کما أنّ هذا ـ أعني الإطلاق المقامي ـ هو الأساس للإطلاق اللفظي حيث يتحقّق له الظهور ولو علی أساس مقدّمات الحکمة ؛ وذلك لأنّ ذلك من مصاديق الظهور ، وقد عرفت أنّ اعتبار الظهور واعتماد الشارع عليه إنّما يتمّ علی أساس الإطلاق المقامي ، فلا تغفل.
القسم الثالث :وهناك قسم يعبّر عنه بالإطلاق المقامي يراد به : کون الکلام في مقام بيان أمر زائد علی ما يستدعيه اللفظ .
مثال ذلك : حصر الواجب في اُمور مع أنّ الذي يستدعيه اللفظ هو وجوب تلك الاُمور خاصّة ، ولا ينافيه وجوب غيرها أيضاً ، ولکن القرينة المقامية تستدعي حصر الواجب ، وتلك القرينة هي کون المتکلّم بصدد بيان کلّ ما يجب ، لا مجرّد وجوب ما ذکر .
ونظير ذلك : ما ذکر في قضية ثبوت المفهوم للقضية الشرطية بناءً علی منع ثبوت المفهوم لها بحسب الوضع واللغة ؛ حيث ذکر صاحب الکفاية (قدس‏ سره) أنّه ربّما يثبت للقضية مفهوم فيما إذا کانت القضية بصدد بيان موارد ثبوت الحکم وحصرها ، فيکون الاقتصار علی الشرط قاضياً بعدم ثبوت الحکم في غير مورد تحقّق الشرط .
وظاهر أنّ هذا الإطلاق علی خلاف الأصل يحتاج إثباته إلی إثبات ، وليس هناك أصل عقلائي مثبت له ، بخلاف الإطلاق اللفظي .
والفرق بين هذا وبين الإطلاق اللفظي ظاهر ؛ فإنّ معنی الإطلاق اللفظي هو ثبوت الحکم للموضوع من دون تقيد الموضوع بقيد غير مذکور ، هذا في إطلاق الموضوع ، ومعنی إطلاق الحکم هو ثبوته من دون تقييد بقيد يقتضي کون الوجوب تخييرياً أو مشروطاً أو غيرياً أو کفائياً.
وأمّا معنی هذا الإطلاق هو إثبات حصر الحکم في الموضوع الخاص أو حصر الموضوع في اقتضاء حکم خاص حسبما يستدعيه المقام الخاص الذي هو بصدده حسب القرينة .
وکيف کان فالدليل علی اعتبار هذا القسم من الإطلاق حيث يتحقّق هو الدليل علی اعتبار الظهور ؛ فإنّه بعد ظهور حال المتکلّم في کونه بصدد هذا الإطلاق يکون ظهور کلامه فيما هو بصدده حجّة کما في سائر الظواهر .

أدلّة اعتبار القسم الثاني من الإطلاق المقامي :
حيث عرفت إجمالاً مغايرة الإطلاق المقامي للإطلاق اللفظي ماهيةً يقع الکلام في بيان الدليل علی اعتباره . وما يمکن الاستدلال به لذلك عدة وجوه :
الوجه الأوّل :هو ما أشرنا إليه عند التعرّض لبيان حقيقة الإطلاق المقامي ، وهو ملاك فوات الغرض اللزومي . وتوضيح ذلك :
إنّ الحکمة تقتضي عدم السکوت علی فوات الأغراض المنشودة حتی غير اللازمة فضلاً عن اللازمة منها ؛ فإنّ العاقل إذا کان له غرض فلا مناص له في الوصول إلی غرضه من التسبيب إليه عندما لا يکون تحقّقه بمباشرته ، وأقلّ مراتب التسبيب هو بيانه حيث يکون مغفولاً عنه ، ولا يجوز أن يسکت فيسبّب ذلك فوات غرضه من ناحيته لا من ناحية غيره .
وعلی هذا الأساس لابدّ من بيان المستحبّات کالواجبات ، و إن کانت المستحبات غير إلزامية علی المکلّف ؛ فإنّ ما هو غير واجب هو إتيان المکلّف بالعمل المستحب ، وأمّا تمکينه منه فهو واجب حيث يکون للشارع غرض في تشريع المستحبّات .
وعلی هذا الأساس يحتمل وجوب الاجتهاد والإفتاء في المستحبّات وإن کان فعل المستحبّ غير إلزامي علی المکلّف ، وعلی هذا الأساس فحيث يکون للشارع أغراض لازمة وکان سکوته ملازماً لفوات تلك الأغراض لم يکن السکوت أمراً سائغاً بحسب مقتضى الحکمة ، فيعلم من السکوت عدم استلزامه فوات الأغراض .
فإذا کان المرتکز عند العقلاء اعتبار خبر الثقة بحيث يسري إلی مجال الشرعيّات عفواً وقهراً حيث لا يردع عنه صريحاً ، ولم يتحقّق ردع من الشارع علی هذا الوجه يعلم بأنّه لا يأبی الشارع عن سريان إعمال خبر الثقة في مجال الشرعيّات وأنّه لا يفوت بذلك غرض لازم شرعاً ، فيجوز إعمال ذلك في مجال النفوس والأعراض والدماء وسائر الاُمور الهامّة ، ويکون خبر الثقة فيما يتعلّق بالحدود والقصاص وما شاکل ذلك حجّة ، کما يکون حجّة في سائر الأبواب والمسائل .
فإنّ المتشرّعة يُعملون خبر الثقة فيما يتعلّق بالاُمور الشرعيّة غفلة عن احتمال اختلاف الشارع مع العرف في حجّية خبر الثقة ، ولا تفاوت في أنظارهم بين الأغراض اللازمة وغيرها ، فإذا لم يکن خبر الثقة حجّة ويکون إعماله مستلزماً لفوات الأغراض اللازمة لا محالة ـ حيث يعتمد في نفي التکليف مع احتماله کما يعتمد في تعيين متعلّقات التکاليف وتحديدها ـ کان سکوت الشارع عن الردع تعريضاً لأغراضه اللازمة إلی الفوات ، وهو مخالف لما تقتضيه الحکمة لا محالة .
فلا مناص من کون السکوت عندئذٍ دليلاً علی موافقة الشارع لطريقة العرف وعدم استلزامها فوات أغراضه .
ويمکن التعبير عن هذا الوجه ـ أعني فوات الأغراض ـ بتعبير آخر لو لم يکن هذا وجهاً آخر لاعتبار الإطلاق المقامي ، وهو استلزام السکوت الإغراء ؛ فإنّ العرف يغترّ بسکوت الشارع ويکون السکوت هو المسبّب له ، والتسبيب إلی الاغترار لا ينبغي من الحکيم و العاقل .
الوجه الثاني :لولا اعتبار الإطلاق المقامي لاستلزم ذلك الإجمال واللغز حتی لو لم يسبّب السکوت فوت الأغراض ولا التغرير .
وتوضيح ذلك : إنّ الشارع استعمل الألفاظ الدارجة في العرف ، ولم يحدّد لها مفاهيم في اصطلاحه حيث يطلقها ، فهب أنّ السامع لا يحمل الألفاظ علی المفاهيم العرفية عفواً وقهراً ، وهب أنّ المُخاطب لا يکون غافلاً عن احتمال مغايرة اصطلاح الشرع والعرف في هذه الألفاظ ، ولکن مع هذا وذاك ليس للشارع فرضاً مفهوم مبيّن لهذه الألفاظ غير ما هو معناها عرفاً ، فتعود هذه الألفاظ بأسرها مجملة في التعبير عن مقاصد الشرع لغواً في تبيين ما يريده الشارع من الناس ، ولا يکاد يصدر اللغو من الحکيم العارف ، ولا يليق ذلك به .
وإن شئت قلت : يدور الأمر بين حمل هذه الألفاظ علی المفاهيم العرفية وبين کونها مجملات ويکون صدورها لغواً من الحکيم ، وحيث لا يجوز الثاني فيتعيّن الأوّل .
فإن قلت: لم لا يجوز صدور المجمل من الحکيم وربّما يکون في الإجمال غرض ، وقد صرّح الکتاب العزيز باشتماله علی الآيات المشتبهة أو المتشابهة .
قلت :ليست الدعوى امتناع صدور المجمل في الحکيم ، وإنّما المقصود امتناع کون کلمات الشارع بأسرها مجملات لکلّ أحد ، فإنّ الحکيم قد يجمل في بعض کلماته ؛ ولکن لا يجعل کلّ کلامه مجملاً ؛ فإنّ الغرض من التکلّم هو التبيين وإعلام المخاطب ، والإجمال منافٍ لهذا الغرض ، وأمّا ما اشتمل عليه الکتاب العزيز من متشابهات الآيات ـ بناء على إرادة المجمل من المتشابه ـ فهي متشابهات بالنسبة إلی بعض الناس ؛ وإلا فإنّ الأئمّة (عليهم ‏السلام) الذين نزل الکتاب في بيتهم عارفون بما اُريد منها ، ولا إجمال لها بالنسبة إليهم .
ولا تجوز دعوى أنّ خطابات الشارع بأسرها معلومة للأئمّة (عليهم ‏السلام) وإن کانت مجملة بالنسبة إلينا ؛ فإنّ الأئمّة (عليهم ‏السلام) حاورونا وتکلّموا معنا وخاطبوا أصحابهم ، ولا يصح أن يحاورونا بما لا يعبّر عن مقصودهم ، ولا يبيّن عمّا في ضميرهم ، فلا مناص من تنزيل کلماتهم (عليهم ‏السلام) علی المفاهيم العرفية ، ولا معدل عن تفسير ألفاظهم علی أساس الأوضاع اللغوية والنکات الإرتکازية لو صح التعبير عن ذلك بالتفسير .
وما ذکرناه هو السرّ في إعمال النکات الأدبية والارتکازات الظريفة في کلام الله العزيز وفي کلمات سادات الدين (عليهم ‏السلام) ؛ فإنّهم محيطون بذلك کلّه ، وحيث إنّه لم يکن لهم طريقة في المحاورة غير الطريق العرفي واللغوي فلا مناص من إعمال الدقّة في تطبيق الطريقة العرفية واللغوية حسب الارتکازات بالنسبة إلی کلام الله وأولياء الشرع الذين هم الوسائط في بيان الدين ، والله العالم .

الوجه الثالث :هو الظهور الحالي ، بتقريب : أنّه إذا کانت هناك سيرة راسخة بحدّ لا يخطر ببال الناس مغايرة المشرّع في طريقته لمسلکهم فيطبّقونها علی الشرعيّات عفواً ، وهذه السيرة بمرأى من الشارع وبمحضره وهو مطلّع علينا ، فلئن کان مخالفاً لتلك السيرة غير راضٍ بها ولا موافق معها لوجب عليه التنبيه علی ذلك ردعاً لأتباعه من متابعتها وتنبيهاً لهم علی مجانبتها ؛ فإنّه بسکوته يعلن الموافقة وبعدم الردع يظهر الرضا بالغضّ عن استلزام سکوته علی تقدير المخالفة فوت الغرض ، کما کان مقتضی بعض ما تقدّم .
وهذا البيان أشبه بالتقرير الذي هو ملاك اعتبار سيرة المتشرّعة ؛ فإنّ ظهور الأمر بمنزلة إظهار نسبة الشيء إلی شخص بحضرته ، فکما أنّ السکوت عن نفي النسبة فيما نسب إلی شخص بحضوره أمر ظاهر أشدّ الظهور علی الموافقة على تلك النسبة إذا لم يکن محذور في النفي کتقيّة ونحوها ، کذلك السکوت عن الردع عن السيرة الظاهرة الراسخة ظاهر بنحو أکيد في الرضا بها .
بل هذا الظهور هو الدليل علی اعتبار المعاجز الصادرة عن الأنبياء والأولياء ؛ فإنّ سکوت الله عن الردّ علی مدّعي النبوّة مقترناً بإظهار المعاجز ظاهر بوضوح في عدم ردّ الدعوى والإرسال ، فهو کما لو ادّعی شخص عند الملك أنّه منصوب من قبله في إمارة وسکت ، وهو کما لو ادّعی شخص الوکالة عن غيره بحضوره ولم يردّ عليها .
وبالجملة : هذا السکوت ليس أضعف دلالة من التکلّم بکلام ظاهر في الموافقة ، فإذا کان الظهور القولي حجّة عند العقلاء لم تکن حجّية الظهور العملي في السکوت أضعف اعتباراً من ظهور الأقوال ، فلا مناص من حجّيته .
هذا ، إذا لم يکن السکوت نصّاً ـ لا ظاهراً ـ في الموافقة ، وإلا فالأمر أوضح .
ثمّ إن کان اعتبار السکوت بملاك الظهور وکان اعتبار الظهور بملاك استلزام السکوت عن الردع عنه مع عدم الموافقة عليه هو فوت الأغراض بسريان العمل به في مجال الشرعيات قهراً رجع الاستدلال في الحقيقة إلی الوجه المتقدّم ، ولم يکن هذا وجهاً مستقلاً عمّا سبق .
ثمّ إنّه لابأس بالمناسبة أن يعلم أنّ الملاك في اعتبار السيرة العقلائية ـ لا سيرة المتشرّعة ـ هو الملاك في اعتبار الإطلاق المقامي بعينه ؛ حيث إنّ السيرة العقلائية غير مطبّقة فعلاً علی الشرعيّات ، بخلاف سيرة المتشرّعة فإنّها جارية على حساب الشرع والنسبة إليه ، وهذا هو أساس الفرق بين سيرة المتشرّعة وسيرة العقلاء .
ففيما کانت السيرة عقلائية ولم تکن جارية في مجال الشرعيّات إنّما يکون سکوت الشارع عن ردعها حجّة علی إمضائها ؛ لکون السيرة من جهة رسوخها مظنّة السراية إلی الشرعيّات عفواً وقهراً وغفلة عن احتمال اختلاف مسلك الشارع عمّا جرت عليه السيرة ، فإذا لم يکن الشارع راضياً بتطبيق السيرة في مجالٍ ما يتعلّق به کان عليه التنبيه والردع ، وإلا کان مخلاً بغرضه غير متحفّظ عليه ، وهذا لا يناسب مقام الحکمة ، فيکون السکوت دليلاً علی عدم إباء الشارع من تطبيق ما جرت عليه السيرة علی الاُمور الشرعية ؛ إمّا بحکم العقل حسبما يقتضيه مقام الحکمة الذي هو مقام التحفّظ علی الأغراض ، وإمّا بظهور الحال حسبما تساعده الدلالة العرفية علی الموافقة .
فقد تحصّل وتحقّق في ضابط الإطلاق المقامي وکذا السيرة حسب حکم العقل : أنّه يعتبر فيه ـ وهذا رکنه الأساس ـ غفلة الناس عن احتمال الخلاف لو سکت الشارع ، بحيث يلازم سکوت الشارع فوات غرضه وکون جعل الحکم لغواً أو بحکمه .
ويتفرّع عليه :
أوّلاً :
عدم وجوب التنبيه والردع فيما کان السکوت غير مستلزم لفوت غرض لزومي وإن استلزم توهّم الناس لما يخالف الشرع ، کما لو استلزم سکوت الشارع عمل الناس بالاحتياط ؛ فإنّ المرتکز عند الناس هو وجوب الاحتياط في أطراف العلم الإجمالي ، فإذا لم يکن الاحتياط واجباً في الشريعة علی خلاف بناء العقلاء ولم ينبّه عليه الشارع لا يکون سکوته مستلزماً لفوت غرض لازم ، فلا يکون مقام الحکمة والاهتمام بالأغراض مستدعياً للتنبيه علی عدم وجوب الاحتياط .
نعم ، ربّما يکون هناك غرض لزومي في تسهيل الأمر علی المکلّفين وإيصال الترخيصات إليهم وجعل الشريعة سمحة سهلة ، وهذا أمر آخر يحتاج إلی إثبات ، ومعه يتحفّظ عليه الشارع لا محالة .
والذي نحن بصدده هو الأغراض اللازمة الواقعية في جعل الأحکام الإلزامية وأنّ تلك الأحکام وجعلها يستدعي التحفّظ عليها وعدم السکوت عنها حيث کانت هناك غفلة عامّة عنها ، وإلا کان السکوت منافياً للغرض من جعلها وإنشائها .
وقد يقرّب الإطلاق المقامي حتی فيما کان طبقاً للاحتياط : بأنّ ملاك الإطلاق المقامي وإن لم يتمّ بلحاظ العمل ، ولکنّه يتمّ بلحاظ مقام الإخبار ؛ حيث إنّ المخاطب يخبر بما اعتقده علی أساس السکوت من ناحية الشارع والمتکلّم عن الردع ، فيکون إخبار المکلّف ونسبة الحکم إلی الشارع من حيث الموافقة عليه کذباً ، وفي الکذب مفسدة ، وحيث إنّه ينشأ من سکوت الشارع فيتمّ الإطلاق المقامي لا محالة .
ويرد عليه : أنّ الکذب الخبري في المقام لا مفسدة فيه ، حيث إنّ مضمونه مطابق للاحتياط ، والکذب المخبري ـ أعني تعمّد الکذب ـ فهو منتفٍ مع فرض اعتقاد المخبر وإن کانت عقيدته مخالفة للواقع .
وثانياً :عدم اعتبار الإطلاق المقامي في المسائل المتجدّدة بعد عصر الشارع ؛ فإنّه لا يتحقّق ملاك الإطلاق المقامي فيها ؛ ولذا يجوز الاستناد في حکم المسائل المستجدة إلی العمومات والإطلاقات اللفظية ، وهذا نظير عدم اعتبار السيَر الحادثة عملاً وارتکازاً لو کان هناك مصداق لها ؛ فإنّه حيث تکون السيرة جديدة غير معاصرة للشارع تکون متدرّجة في الوجود غير متحقّقة دفعة واحدة ، ومع هذا کيف تسبّب مثل هذه السيرة غفلة الناس عن احتمال اختلاف طريقة الشارع مع سيرتهم ؟ ! فإنّ السيرة في بداياتها يعرض مجراها علی الشريعة ويقع السؤال عن مشروعيتها وعدمها ، ولا تطبّق علی الشرعيات عفواً وقهراً .
فلا يکون سکوت الشارع عن الردع عنها مستلزماً لفوات أغراضه اللازمة بعد عدم تطبيق مجرى السيرة علی الشرعيات قهراً وغفلة ، بل حدوث السيرة منشأ للسؤال عن مشروعية مجراها وعدمه ، وهذا هو سرّ الفرق بين السيَر الحادثة حيث لا تعتبر وبين السيرة المعاصرة للشارع حيث تکشف عن موافقة الشريعة لها عند عدم الردع عنها .
کما أنّه لا ظهور حالياً في موافقة الشارع للسيَر غير المعاصرة له حتی مع علمه الغيبي بها ، بل ومع علمه العادي فضلاً عن غيره .
نعم ، لا يبعد شمول نکتة فوات الغرض في السيرة للارتکازات غير المعمول بها ؛ لعدم وجود مصداق لها ، فيکون السکوت عن الردع عن الارتکازات کذلك مع کونها معرضاً للتطبيق بحدوث المحلّ لها ملازماً للإمضاء ؛ حيث إنّ الارتکاز يطبّق قهراً علی مصداقه حيث يحدث ولو بعد زمن الشارع وغيبته .
وثالثاً :عدم اعتبار الإطلاق المقامي حيث لا يکون المورد مغفولاً علی وجه لا يلتفت الناس إلی احتمال الخلاف ، بل کان احتمال الخلاف متحقّقاً ، فإنّه يصح الاعتماد في مثله علی العمومات والإطلاقات المخالفة للإطلاق المقامي ، ومثله عدم اعتبار السيَر غير المرتکزة علی وجه يغفل الناس عن احتمال اختلاف طريقة الشارع لبناء العقلاء ؛ بأن کانت السيرة غير راسخة بهذا الحدّ ، بل يحصل للناس التردّد في موافقة الشارع علی ماجرت عليه السيرة سيما مع الالتفات إلی اختلاف الشارع معهم في بعض سيرهم ، کالسيرة علی اعتبار المعاملات ونفوذها ؛ فإنّه ليس بحدّ يغفل الناس عن احتمال مخالفة الشارع لهم سيما مع الالتفات إلی منع الشارع عن بعض المعاملات کالربا ونحوه ، فإنّه لو کان الدليل علی اعتبار السيرة هو فوات الأغراض اللزومية بسبب السکوت لا ينطبق ذلك في مثل السير غير الراسخة علی الوجه المتقدّم .
ويترتّب علی ذلك صلاحية العمومات للرادعية عن مثل هذه السيَر ، بخلاف السيَر الراسخة ؛ فإنّه لا تصلح العمومات للردع عنها ، ويکون انحصار المخالف للسيرة في العمومات دليلاً علی عدم الردع وموافقة الشارع علی السيرة .
رابعاً :أنّه إنّما يجب التنبيه والردع متى ما کان السکوت منشأ لفوات الأغراض بشكل واسع ، وإلا فمجرّد فوت غرض لزومي في بعض الأحيان ليس محذوراً ، ويشهد لذلك جعل الاُصول الترخيصية وکذا القواعد التسهيلية کقاعدتي الفراغ والتجاوز وغيرهما ؛ فإنّه يحتمل فوات الأغراض اللزومية في تطبيقاتها لا محالة ، وربّما ينکشف ذلك علی وجه القطع ، ومع ذلك لا بأس بجعلها .
والسرّ في حصر المحذور في فرض سعة فوات الأغراض هو أنّ ملاك الإطلاق المقامي لا يستدعي زائداً علی ذلك ؛ فإنّ مقام الحکمة إنّما يقتضي التحفّظ علی الغرض اللزومي علی وجه يکون ترکه موجباً للغوية جعل الحکم وإنشائه ، فما لم يستلزم هذا المحذور لايکون فيه بأس ، وإنّما يلزم لغوية جعل الحکم أو ما بحکم اللغوية إذا کان السکوت منشأً لفوات الغرض اللزومي علی وجه وسيع ، وأمّا إذا استلزم السکوت فوت الغرض أحياناً مع الوصول إليه أحياناً اُخرى لا يعدّ معه جعل الحکم لغواً أو بحکمه ، فهو من قبيل جعل الأحکام الواقعية مع جعل الترخيص في خلافها في موارد قيام الطرق والأمارات والاُصول ، بل ما نحن فيه أهون من ذلك ؛ فإنّ جعل الترخيص علی خلاف الواقع تسبيب من الشارع في فوت غرضه اللزومي ، بخلاف سکوت الشارع ؛
فإنّه لا يسبّب الفوت ؛ وإنّما هو عدم إيجاد المانع من دون إيجاد المقتضي للفوات .

الفوارق بين الإطلاق اللفظي والإطلاق المقامي :
هناك اُمور يختلف فيها الإطلاق المقامي عن الإطلاق اللفظي ، وهي :
الأمر الأوّل :إنّ الإطلاق اللفظي راجع إلی الظهور ومحقّق لدلالة اللفظ من دون أن يفيد علماً بالواقع ، وهذا بخلاف الإطلاق المقامي فإنّه يستدعي القطع بالواقع أحياناً .
نعم ، ربّما يکون الإطلاق المقامي منشأً للظهور ؛ وذلك بالنسبة إلی موافقة الشارع لأهل العرف واللغة في مفاهيم اللغات المستعملة في کلماته .
الأمر الثاني :إنّ الإطلاق اللفظي حجّة مطلقاً وإن کان مضمونه مخالفاً للاحتياط ، ولکن الإطلاق المقامي بملاك التحفّظ علی الأغراض اللازمة إنّما يتمّ إذا کان مخالفاً للاحتياط ؛ فإنّ في مثله يستلزم عدم موافقة الشارع فوت الغرض اللازم .
الأمر الثالث :إنّما يتمّ الإطلاق اللفظي بحسب الثبوت حيث يکون المتکلّم في مقام البيان وبصدده ، وأمّا الإطلاق المقامي فإنّه يتحقّق فيما لا يکون المتکلّم بصدد بيانه ، ولکن إطلاقه وسکوته عن التنبيه والردع والتقييد يلازم فوت أغراضه اللازمة کما سبق .
الأمر الرابع :إنّ الإطلاق اللفظي إنّما يتحقّق في مقام الإثبات بضمّ الأصل العقلائي القاضي بکون المتکلّم في مقام البيان ما لم يحرز خلافه .
وأمّا الإطلاق المقامي فلا يشك في كون المتكلم في مقام البيان أولاً كي نجري الاصل فإنّ المتکلّم يکون في مقام البيان حتماً ، فالإطلاق اللفظي في ظرف البيان ثبوتاً وإثباتاً يقتضي ويدلّ على الشمول ؛ وأمّا الإطلاق المقامي فهو يستدعي کون المتکلّم في مقام البيان ، وعلى تقدير الشك فالأصل ينفي كونه في مقام البيان .
الأمر الخامس :قد شاع في الکلمات أنّ الإطلاق المقامي علی خلاف الأصل ، بخلاف الإطلاق اللفظي ، وهذا إنّما يتمّ في غير القسم الثاني من الإطلاق المقامي کالقسم الثالث ، وإلا ففيما استلزم السکوت فوات الأغراض اللازمة لا مناص من تمامية الإطلاق .
الأمر السادس :إنّ الإطلاق اللفظي إنّما يتمّ فيما يمکن فيه التقييد ، وهذا بخلاف الإطلاق المقامي ؛ فإنّه يتمّ فيما لا يمکن فيه التقييد أيضاً ، کما في نفي اعتبار قصد الوجه ونحوه ممّا لا يمکن تقييد متعلّق الأمر به بناءً علی القول بذلك .
الأمر السابع :إنّ ملاك الإطلاق اللفظي بحسب الدلالة ـ لا بحسب ما تکون الدلالة حجّة فيه ـ هو عدم اتصال القيد ، وعلی هذا الأساس لا يکون القيد المنفصل منافياً لظهور الکلام في الإطلاق وإن نافى حجّية ظهوره في الإطلاق ، هذا بناءً علی التحقيق .
وإلا فقد يقال : بأنّ ظهور الکلام في الإطلاق اللفظي منوط بعدم التقييد حتی بالمنفصل .
وأمّا الإطلاق المقامي فلا ريب في تقوّمه بعدم المنافي له متصلاً ولا منفصلاً ؛ فإنّ ملاکه ليس هو الظهور ، بل فوت الغرض ، ولا يتحقّق مع البيان المنفصل کالمتصل .
الأمر الثامن :إنّ القيد المنفصل في الإطلاق اللفظي حيث لا يکون منافياً لأصل الإطلاق ولظهوره الاستعمالي فما لم يحرز اعتبار دليل القيد لا يصلح مقيّداً للإطلاق ، بل يکون الإطلاق نافياً للقيد مع الشك في اعتباره سنداً أو دلالة .
وهذا بخلاف القيد المنفصل في الإطلاق المقامي ؛ فإنّ حقيقة الإطلاق المقامي متقوّمة بعدم القيد مطلقاً متصلاً أو منفصلاً ، فما لم يحرز عدم القيد حتى المنفصل لا يتمّ الاطلاق المقامي ، ولذا يكون احتمال صدور القيد ولو منفصلاً مانعاً من الإطلاق ، ويتفرّع عليه منافاة الخبر المتضمّن للقيد ولو کان ضعيفاً سنداً ؛ لعدم تمامية الإطلاق المقامي عندئذٍ .
ومثله الکلام في السيرة ؛ فإنّ اعتبارها متقوّم بعدم الردع ، فإنّه الکاشف عن موافقة الشارع ، لا بعدم وصول الردع .
نعم ، قد يکون عدم وصول الردع بما يتناسب مع المردوع دليلاً علی عدم صدور الردع ؛ ولذا لا تصلح العمومات للرادعية ، ويکون انحصار الرادع فيها مقتضياً للحکم بعدم الردع .
وهنا في الإطلاق المقامي ؛ يكون متقوّماً بعدم صدور خلافه ولو منفصلاً ، فيکون احتمال صدوره مانعاً من الإطلاق ، إلا أنّه حيث لا يصلح المخالف لأنّ يكون مانعاً للإطلاق المقامي ـ لضعفه سنداً أو دلالة ، بل لعدم کونه نصّاً كما لو كان عاماً أو مطلقاً ـ لا يجوز الاعتماد عليه في التحفّظ علی الغرض اللازم ، فيکون انحصار المخالف للإطلاق فيه دليلاً علی عدم المنافي للإطلاق المقامي .
وهذا إنّما يکون في المسائل التي يعمّ الابتلاء بها ؛ وذلك لو کان هناك تنبيه يرتبط بها لوصل إلينا لا محالة ، لکثرة الدواعي علی السؤال عنها ، وأمّا في المسائل التي لا يعمّ الابتلاء بها فلا ينتفي احتمال التنبيه بمجرّد عدم وصوله إلينا .
فتحقّق : أنّ احتمال صدور المنافي للإطلاق المقامي کافٍ في إلغاء الإطلاق ، فضلاً عمّا إذا وصل المنافي بخبر ضعيف في السند أو الدلالة .
الأمر التاسع :إنّ نتيجة الإطلاق اللفظي هو الشمول والسريان ، ولکن مقتضی الإطلاق المقامي قد يکون السريان وقد يکون موافقاً مع التقييد ، فيختلف باختلاف المقامات . ففي مثل قصد الوجه وما شاکل ذلك من القيود المحتملة تكون نتيجة الإطلاق المقامي هي عدم التقييد .
ولکن في مثل مفاد الألفاظ وکون المقصود بها المعنی العرفي أو اصطلاح جديد شرعاً فمقتضی الإطلاق المقامي مطابقة اصطلاح الشارع للعرف وتقيّد الشارع بالمعنی العرفي أيّ شيءٍ کان ومقيّداً بأيّ قيد فُرض .
فالبيع في استعمال الشارع هو البيع بمعناه العرفي ، فلو کان البيع مقيّداً بکون المبيع عيناً أو متموّلاً کان المعنی المقصود شرعاً هو ذلك .
فليس الإطلاق المقامي معناه السريان ، بل معناه عدم إرادة الشارع ـ مثلاً ـ لما يستلزم ترك التنبيه عليه فوت الأغراض اللازمة ، أو موافقة الشارع حسب الظهور الحالي لأمر يستدعي التقييد أو خلافه .
پاسخ
 سپاس شده توسط tasnim ، محمد امین ، mobaniani


پرش به انجمن:


کاربران در حال بازدید این موضوع: 1 مهمان